جمال الدين بن نباتة المصري

153

سرح العيون في شرح رسالة ابن زيدون

مناديه : من جاء بحزمة حطب فله فدرة « 1 » من تمر ، فأخذ كلّ منهما حزمة من الحطب وألقاها عند النار ، وأخذ التمر . فأما صليع فقال : يكفى هذه آية « 2 » وانصرف ؛ وأمّا سدوس فقال : لا أبرح حتى آتيه بأمر جلىّ . فلمّا دخل ابن الهبولة قبّته ، قرب سدوس منها بحيث يسمع كلامه ، وأقبل أناس يحرسون القبّة ، فضرب سدوس يده إلى جليس له مخافة أن يستنكره ، فقال : من أنت ؟ فقال : فلان . ودنا ابن الهبولة من هند امرأة الحارث فقبّلها وداعبها ، وقال : ما ظنّك الآن بالحارث ؟ قالت : ما هو الظنّ ؛ بل هو اليقين ، إنّه لن يدع طلبك حتى يعاين القصور الحمر - يعنى الشام - وكأني أنظر إليه في فوارس من شيبان يذمّرهم ويذمّرونه ، وهو شديد الكلب كأنه بعير أكل مرارا - فسمّى اكل المرار ، والمرار نبت فيه مرارة ، إذا أكلت منه الإبل قلصت مشافرها - وقيل : بل سمعها سدوس - يعنى هندا - تقول لابن الهبولة ، وقد سألها عن حبّها الحارث ، فقالت : واللّه ما أبغضت نسمة « 3 » قطّ بغضي له ، وما رأيت أحزم منه نائما ومستيقظا ، وكان إذا أراد النوم أمرني أن أجعل عنده عسّا من لبن ؛ فبينما هو نائم يوما ، وأنا قريب أنظر إليه ؛ إذ أقبل سالخ إلى [ رأسه ، فنحّى رأسه ، فمال إلى يديه ، وإحداهما مقبوضة ، والأخرى مبسوطة فأهوى إليها فقبضها ، فمال إلى رجليه وقد قبض واحدة وبسط الأخرى فأهوى إليها فقبضها ، فمال إلى ] « 4 » العسّ فشرب منه ، ثم مجّ فيه ، فقلت : يستيقظ فيشربه فيموت ، فأستريح منه . فانتبه من نومه فقال : علىّ بالإناء فناولته إياه فشمّه ، ثم ألقاه فهريق ، [ ثم قال : أين ذهب الأسود ؟ فقلت : ما رأيته ؟ فقال : كذبت ] « 5 » .

--> ( 1 ) الفدرة : الكتلة من التمر . ( 2 ) بعدها في الأغانى : « وعلم ما يريد ، فانصرف إلى حجر فأعلمه بعسكره ، وأراه التمر » . ( 3 ) الأغانى : « ذا نسمة » . ( 4 ) من الأغانى . ( 5 ) من ط .